7. الملاحظة: ما الذي يريد النص أن يقوله بالفعل؟

7. الملاحظة: ما الذي يريد النص أن يقوله بالفعل؟ 

___________________________________________________________________

Observation

كما تعلمنا، الخطوة الأولى لدراسة استقرائية فعالة للكتاب المقدس هي تطوير مهارات ملاحظة النص الكتابي بشكل جيد. وهي ببساطة أن نتعلم أن نرى ما هو موجود بالفعل في النص! إنه لمن السهل علينا أن ننظر إلى جزء كتابي معين ولا نرى حقيقة ما يريد أن يقوله هذا الجزء. وخاصة إذا كنا نقرأ جزء كتابي مألوف لدينا. تذكر أننا جميعا نقرأ الكتاب المقدس من خلال عدسات حضارتنا ولاهوتنا وتقليد كنيستنا وتفضيلاتنا الخاصة! لا أقصد من كلامي أن كل هذه الأمور هي أمور خاطئة، لكنها يمكن أن تعيقنا عن رؤية ما يريد النص بالفعل أن يقوله.

دعونا نأخذ، على سبيل المثال، هذه الأجزاء التي تتكلم عن "مجيء المسيح". بالنسبة للكثيرين منا نقرأ بشكل أوتوماتيكي الأجزاء التي تتكلم عن المجيء الثاني للمسيح، سواء كان المجد العظيم والقوة التي سيأتي بها المسيح أو الاختطاف المفاجيء للمؤمنين ويتوقف هذا على فهمنا لموضوع نهاية الأيام. لكن القراءة المتأنية ستجعلنا نرى أن هناك عدة أحداث يتم عرضها بنفس شكل الحديث عن مجيء المسيح لكنها ليست عن مجيء المسيح، على سبيل المثال في متى 16: 28 وقبل حادثة التجلي قال يسوع: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ." وبالتأكيد هذه الآية لا تتحدث عن مجيء المسيح الثاني وإلا لوجدنا بعض من هؤلاء الأشخاص لازالوا أحياء ويمتد عمرهم إلى أكثر من 2000 عاما الآن!

 في متى 10: 23 وبينما كان يسوع يرسل تلاميذه الإثني عشر في رحلة للخدمة والتبشير قال لهم: "وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَانِ." مرة أخرى، هذا الجزء الكتابي لا يتكلم عن مجيء المسيح الثاني في نهاية العالم.

يوحنا 14: 2، 3 هي آية جميلة حيث يقول يسوع لتلاميذه أنه ذاهب ليعد لهم مكان في بيت أبيه، وبعد ذلك "سيأتي" ويأخذهم إليه. قد يبدو أن "مجيء المسيح" بالنسبة للتلاميذ هو ساعة موتهم. لكن مرة أخرى في هذا الأصحاح في عدد 23، نقرأ أن يسوع والآب "يأتون" إلى المؤمن ويصنعون عنده منزلا.

تتطلب جميع التخصصات تطوير مهارات الملاحظة، سواء كان في الطب أو الهندسة أو العلوم أو الطب الشرعي وجزء كبير من هذه المهارة هو أن تعرف ما تبحث عنه. خذ بعض الوقت لقراءة قصة "الطالب والسمكة وأجاسيس" هذا مثال رائع لقوة وأهمية أن نتعلم كيف نقوم بملاحظة جيدة.

في هذا الدرس سنقدم لك بعض الأسئلة الرئيسية التي سيمكنها أن تساعدك في مهارات الملاحظة. على الرغم أنه ينتج عنها كثير من الاكتشافات والأفكار الهامة. وكلما درست خلال المدرسة كلما تعرفت عليها أكثر وفي وقت قصير ستصبح هذه الأسئلة جزء من طبيعتك الدراسية. دعونا نستكشف هذه الأسئلة معا.

من

who

مع هذا السؤال ستبحث عن الأشخاص المذكورين في النص. وتحدد الشخصيات الرئيسية والشخصيات الأخرى، وتلاحظ بحرص كيفية استخدام الضمائر. أحيانا يكون هذا الأمر صعبا ولذلك قد تحتاج أن ترجع للخلف عدة فقرات أو حتى عدة أصحاحات لتعرف من الذي يتكلم عنه النص. على سبيل المثال في سفر الملوك سيتكلم الكاتب عن "ملك يهوذا" أو "ملك إسرائيل" وقد يحتاج منك قراءة حريصة حتى تستطيع أن تحدد من هو الملك الذي يتحدث عنه الكاتب في هذا الجزء، وخاصة عندما كان لملك يهوذا وملك إسرائيل نفس الإسم وكانوا يحكمون في نفس الوقت. من عدة سنوات، عندما دعيت لأعلم رسالة يوحنا الثالثة، أذكر أنني كنت أقرأ هذه الرسالة القصيرة جدا وأقوم بكتابة الشخصيات المذكورة فيه وألاحظ بحرص الضمائر. ولدهشتي اكتشفت مجموعة كاملة من الناس وهذا الاكتشاف لم يقم فقط بفتح ذلك السفر أمامي بمعان جديدة بل كان له تطبيق شخصي هام في حياتي.

ماذا

مع السؤال "ماذا" نود أن نحدد ما الذي يدور في هذا السفر، وما هي القضايا التي يتم معالجتها، وما الذي يكتب عنه الكاتب، والمراحل التي يعرض بها أفكاره. السؤال يكون "ما الذي يدور حوله السفر؟" سيكون من المفيد أن نحدد الجو العام للسفر، هل الجو العام للسفر هو الفرح أم الغضب أم القلق أم الحزن أم البركة أم البهجة أم خليط من هذه المشاعر؟ في غلاطية أصحاح 1 يتخطى بولس خطوة الصلاة والشكر ويبدأ حديثه بعبارة مليئة بالدهشة والإنذار ويقول: "إنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!" وفي غضب مقدس يقول: "وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!" ثم بروح شاكرة يقول: "وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ.." نجد هنا في 11 آية فقط ثلاثة مشاعر قوية! هذه الأسئلة يمكنها أن تساعدنا أن نأخذ مكان الكاتب ولا نفهم فقط ما الذي يدور في النص بل أيضا نشعر به.

أين

Where

من المهم جدا في أي دراسة جادة للكتاب المقدس أن نفهم الجغرافيا لأن فهمنا للجغرافيا يجعلنا نشعر أن القصة التي نحاول أن نستوعبها لم تكن تدور في أحد المواقع الخرافية والسرية، لكنها حدثت في أماكن حقيقية، وأحيانا تكون المواقع مهمة جدا في فهما لما يدور حوله السفر. فمثلا من المهم أن نعرف أن يسوع كان في الناصرة عندما رفضه الناس في لوقا 4 وذلك لأن الناصرة هي "مسقط رأس" يسوع وأن نلاحظ أن يسوع تجرب في البرية لمدة أربعين يوما لأن إسرائيل كانوا في البرية لمدة أربعين سنة، وهذا التوازي مقصود.

إذا عندما تلاحظ "أين" حاول أن تلاحظ الأماكن الجغرافية مثل الجليل وأورشليم ومصر والأماكن المحلية مثل الهيكل والمجمع وبيت سمعان وبئر يعقوب إلخ. وابحث كذلك عن الإشارات التالي: في الطريق إلى، فوق الجبل، في الصحراء إلخ.

When

متى

مع السؤال متى، نبحث عن الإشارات إلى الزمن وتتابع الأحداث. وعندما نفهم تسلسل الأحداث أو أماكن الأحداث داخل الخط الزمني سيساعدنا هذا في أن نرى ما هو موجود بالفعل في هذا الجزء! ابحث عن مثل هذه الكلمات: قبل، أثناء، بعد، خلال، ثم، حتى، الآن، متى، منذ، عندئذ، إلخ. لاحظ زمن الأفعال: الماضي والحاضر والمستقبل. في غلاطية نجد أن الرسول بولس كان واضحا جدا عندما قال: "ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ." (غل 1: 18) ويقول كذلك: "ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ." (غل 2: 1) هذه الأزمنة مهمة لتساعدنا أن نفهم الفكرة التي يريد أن يقدمها في هذه الرسالة الحماسية. البركة التي يذكرها بولس في أفسس 1: 3 "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ." هي في زمن الحاضر وليس المستقبل.

الجو العام

سيكون أمرا مفيدا للغاية أن نلاحظ الجو العام للجزء الكتابي. سيساعدنا كثيرا عندما نأتي إلى خطوة التفسير. هل كتب النص في جو من التعاطف أم الغضب أم الإحباط أم الفرح أم البهجة أم بخليط من بعض هذه المشاعر أو غيرها؟ لاحظ الكلمات المفتاحية التي تشير إلى الجو العام.

التباين/ المقارنة

compare

يعد كلا من التباين والمقارنة وسائل يستخدمها الكاتب عادة ليثبت بها الفكرة التي يريد أن يقدمها. ولن يكون من المستغرب أن نجد في الروايات التاريخية الكاتب يقدم موقفين متقاربين إما كمثالين متباينين أو للمقارنة ليثبت فكرة معينة، ويكون هذا تعليقه على هذه المواقف.

عندما تلاحظ التباين لاحظ الحرف (لكن) لأنه عادة يشير إلى التباين، لكن ابحث أيضا عن التضاد في الأفكار والشخصيات والأحداث والمباديء والاتجاهات. وأحيانا يمكننا أن نميز التباين عن طريق بعض الكلمات مثل: بدلا من، رغم أن، ومع ذلك، مع أن، أو، إلخ أفسس 2 تحتوي على مقارنتين رائعتين، الأولى في عدد : 1-6 تتحدث عن المؤمن قبل وبعد مقابلته مع المسيح. والثانية في عدد 11-13 مقارنة بين وضع الأمم قبل وبعد قبول المسيح "ولكن الآن في المسيح يسوع..." نجد بذلك أن الكاتب يريد أن يعلن أمور قوية باستخدامه لهذا التباين.

وبالنسبة للمقارنة لاحظ بشكل خاص الحرفين "مثل وكـ". وأحيانا الكلمتين "أيضا وكذلك" تشيران إلى التشابه. وستجد كذلك أن التباين والمقارنة كثيرا ما تكون بين الأفكار والشخصيات والأحداث والمباديء والاتجاهات. يستخدم لوقا في أعمال 4 و5 مقارنة بين برنابا وحنانيا وسفيرا، يعطي برنابا بسخاء لعمل الله وحنانيا وسفيرة يخدعان الرسل. لكن تقسيمة الأصحاح الموجودة بين هاتين القصتين يجعلنا لا نلتفت لهذه المقارنة الهامة.

التكرار

هذه أحد أدوات الملاحظة الهامة وعادة ما يستخدمها الكاتب ليؤكد على أمر هام. لا تبحث فقط على التكرار في الكلمات، لكن تكرار الكلمات التي تحمل نفس المعنى وكذلك تكرار العبارات والأفكار والموضوعات. في فليمون يستخدم بولس كلمة أسير/مأسور/ قيود خمسة مرات في هذه الرسالة القصيرة في (عدد 1 و9 و10 و13 و23) وبالتأكيد يستخدم هذه الكلمات لتساعده على توضيح ما يريد أن يقوله، تماما مثلما فعل كاتب رسالة العبرانيين عندما كرر كلمة أفضل 13 مرة وكلمة أعظم 7 مرات.

connectives

أدوات الربط والوصل

أدوات الربط والوصول هي كلمات وعبارات تشير إلى العلاقة بين جزء من جملة مع جزء آخر أو جملة مع جملة أخرى أو فقرة مع فقرة أخرى. يتداخل سؤال الملاحظة هذا مع بعض المناطق الأخرى التي تحدثنا عنها سابقا، لكنها قد تكون مفيدة جدا في محاولتك لرؤية ما هو موجود في النص. ابحث عن كلمات وعبارات مثل: "لـ...، لذلك، لأن، لهذا السبب، لكي، ثم إن، والآن، أيضا، لكن الآن، هذا هو، فكم بالحري، إذا، فإن، ومع هذا". هذا يساعدنا أن نميز الأسباب والنتائج والخلاصات والعبارات التلخيصية وما هو أكثر! في الأصحاح الذي فحصناه من قبل أفسس أصحاح 2 نجد أن بولس يبدأ بكلا من التباين بين نتيجتين رائعتين باستخدام "لـ..." في عدد 7 و"فلستم إذا...بل" في عدد 19 حيث أننا الأمم لم نعد بعد غرباء وسيظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع. 

الصور البلاغية

ملاحظة وتمييز الصور البلاغية يعد أحد مهارات الملاحظة المهمة للغاية في فهم أي قطعة أدبية، فما بالك بالكتاب المقدس. ستجد في هذه الوحدة درسا خاصة نشرح لك فيه هذا الجزء الهام من الملاحظة.

الشكل التركيبي وقوانين التأليف

كما هو الحال مع الصور البلاغية سيكون كذلك مع الشكل التركيبي وقوانين التأليف، ستجد أن هناك تعليم خاص بهذه الموضوعات موجود في هذه الوحدة، وذلك لأن ملاحظة هذه العناصر يعد أمرا غاية في الأهمية ويساعد على فهم ما يقصد الكاتب البشري أن يقوله في المادة التي يكتبها.

أشياء أخرى!

هناك العديد من الأمور الأخرى التي يمكنك أن تلاحظها وكلما زادت مهارات الملاحظة لديك ستكون قادرا وراغبا في إضافة أسئلة أخرى وأدوات أخرى للملاحظة. ستجد هناك ملف جاهز للتحميل يحتوي على 30 سؤال للملاحظة يمكنك تحميله واستخدامه. ولكن لأن هذه تعد مهارة جديدة تحتاج للتطوير، حاول أن تتعرف وتستخدم أولا هذه الأسئلة الهامة الأساسية. وتذكر أن كل حرفة جديدة تحتاج وقت للتمرين والتمرين ثم مزيد من التمرين!

آخر تعديل: الجمعـة، 1 تشرين الثاني 2013، 3:43