4. الصلاة والقراءة الجيدة

4. الصلاة والقراءة الجيدة: أساسات لأي دراسة للكتاب المقدس

_______________________________________________________________

أوصانا يسوع قائلا: 

"...وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ."(مر 12: 30

بينما نبدأ في دراستنا، نود أن نعترف أن الدراسة ستتطلب أن نشترك فيها بكامل كيانا، بكل قلبنا وبكل نفسنا وبكل فكرنا وبكل قدرتنا. فنحن نرغب أن نتقابل مع الله في كلمته بأن نستقبل إعلاناته لقلوبنا والتي ستحمل عمق وتغيير دائم لقيمنا وأولوياتنا ووجهة نظرنا للعالم المحيط بنا، لكن نحتاج أيضا أن نستخدم الذهن والذكاء الذي أعطاه لنا الله لنفكر في هذه التحديات الشخصية وندرس كل من الكتاب المقدس والعالم المحيط بنا. سنجد كذلك أن القادة المسيحيون، سواء في الماضي أو الحاضر، الذين قاموا بتأثير كبير في عالمنا، هم أشخاص مفكرون يستخدمون أذهانهم لمجد الله إلى جانب كونهم أشخاص روحيين.

4-1

 لهذا السبب، عندما نبدأ في دراستنا نحتاج أن نبدأ بالصلاة. وعندما نفعل ذلك نكون قد أتينا بتواضع معترفين باتكالنا العميق على الله ليعطنا الاستنارة والفهم، ونصلي طالبين من الروح القدس الذي أوحى لهؤلاء الكتاب الأولين أن يعطنا الإعلان والاستنارة التي نحتاجها لنفهم كلمته. وكما قلت من قبل، أنه من السهل جدا أن نرى الكتاب المقدس من خلال عدساتنا الروحية والحضارية والتاريخية الخاصة، ونفقد الاستنارة الغنية والمغيرة للحياة. عندما يكون لدينا اتكال صحيح على الله ووداعة مستعدة أن تسمع وتتغير، سنرى الكثير من الثمار، في كلا من حياتنا وحياة الذين نؤثر عليهم. 

"اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ." مزمور 119: 18 هي صلاة بسيطة لكنها قوية. وعندما نصلي هذه الصلاة، نطلب مع كاتب المزامير أن يعطنا الله استنارة أعظم لما نقوم بدراسته.

بعد أن كتب الرسول بولس عن غنى هويتنا في المسيح وبركات الحياة مع المسيح، أخذ يصلي صلاة رائعة في أفسس 1: 16-18 "لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ، مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ..." نحن نصلي لأجل "روح الحكمة والإعلان" أن يرافقنا عندما نفتح كتابنا المقدس وعندما نبدأ في عملية استكشافنا لكلمة الله ونطلب منه أن "ينير عيون أذهاننا" لنستقبل المعرفة المغيرة للحياة. 

أشجعك بقوة، أن تبدأ دراستك دائما بصلاة مليئة بالإيمان، لأن الله بالتأكيد يريد أن يستجيب لمثل هذه الصلاة. 

الأساس الثاني الذي أريد أن أقدمه لك هو طريقة قرائتنا للكتاب المقدس خلال هذه الدراسة. 

Good Reading

عندما ننظر لكتابنا المقدس نجد أن كل سفر ينقسم إلى أصحاحات وآيات، وقد تعودنا أن نقرأ الكتاب المقدس وننظر لهذه التقسيمات على أنها تقسيمات إلهية. ونجد كذلك أن معظم جداول قراءة الكتاب المقدس اليومية مؤسسة على قراءة عدد من الأصحاحات كل يوم. وذلك لأننا اعتدنا على نظام الكتب الأخرى التي نجد فيها أن كل فصل من فصول الكتاب يدور حول موضوع معين كامل، ونظن أن الكتاب المقدس يسير بهذا الشكل أيضا. وعندما نبدأ قراءتنا الكتابية الخاصة باليوم، نادرا ما نفكر فيما قمنا بقراءته في الأمس، وبالنسبة لأغلبنا لا نظن أن هذا الأمر مهما.  

هل سنندهش إذا عرفنا أنه خلال معظم تاريخ الكنيسة، كان الكتاب المقدس خال من تقسيمة الأصحاحات والآيات وأن تقسيمة الأصحاحات والآيات ليست جزء من الوحي في النص. وأن هذه التقسيمات لم يضعها كتاب الكتاب المقدس، لكن وضعها أشخاص عاديون بعد مرور ما بين 1200-1500 سنة على زمن كتابة العهد الجديد. 

لقد قام أسقف مدينة كانتربري Canterbury بانجلترا ستيفن لانتون Stephen Langton بوضع تقسيمة الأصحاحات عام 1228م. ويقول التقليد أن السبب الذي دفعه للقيام بذلك هو أن يتم قراءة أجزاء من الكتاب المقدس أثناء تناول الرهبان لوجباتهم في هدوء داخل الدير.

أما تقسيمة الآيات فقد أضافها روبرت أستيان Robert Estienne، (والمعروف كذلك بروبرت ستيفنس أو ستيفانوس). وقد كان يعمل بالطباعة في باريس عام 1551 وقام بتقسيم الكتاب المقدس إلى الآيات المعروفة لدينا اليوم. 

4-3

هذه الحقائق البسيطة يجب أن يكون لها تأثير عميق على طريقة قراءتنا للكتاب المقدس. فقد كتب الكتاب الأصليين أسفارهم ليتم قراءتها كوحدة واحدة، وحتى تُفهم كعمل كامل، وليس ليتم تقسيمها لأجزاء أصغر. ويرجع السبب في فشل الكثيرين في فهم كثير من أجزاء الكتاب المقدس إلى حقيقة أن الكتاب المقدس لا يتم قراءته بنفس الطريقة التي قُصد أن يُقرأ بها بل يتم قراءته في شكل أجزاء قصيرة جدا. تخيل أن تصل إليك رسالة من صديق عزيز وتبدأ بقراءة الصفحة الثانية من الرسالة أولا، قبل أن تقرأ الرسالة من بدايتها! تخيل أيضا أن تفتح الرسالة وتقرأ سطرين من منتصفها وتصل إلى استنتاجات لما يريد صديقك أن يقوله لك على أساس ما يقوله في هاتين العبارتين المنعزلتين عن باقي الرسالة!

كتب الكتاب المقدس حتى يتم قراءة كل سفر من أسفاره بشكل كامل. أما بالنسبة لسفر المزامير، نجد أنها مقسمة إلى 150 مزمور، وكل مزمور هو عبارة عن أصحاح، ولكن تقسيمة المزامير هي جزء من طبيعتها. وكذلك في سفر الأمثال، من الأصحاح 10 وإلى آخر السفر، نجد في معظم الأحيان أن كل آية هي عبارةعن مثل، ولذلك نجد أن تقسيمة الآيات في هذا الجزء من السفر يمثل تقسيمة مفيدة، لكن بالنسبة لباقي الأسفار، نجد أن تقسيمة الأصحاحات والآيات يقوم بتعطيل أنسياب الأفكار التي يريد الكاتب أن يقدمها.

عندما نبدأ في دراستنا، دعونا نتبنى شعار "اجعل تركيزك على الأسفار!" ودعونا نتعلم أن نتجاهل تقسيمة الأصحاحات والآيات وكذلك نتجاهل أية عناوين قام بوضعها المترجم والتي نجدها كثيرا في كتبنا المقدسة اليوم، ونبدأ في قراءة الكتاب المقدس سفرا سفرا، كما قصد به أن يقرأ.

معظم أسفار الكتاب المقدس يمكن أن ننهي قراءتها في وقت أقل من الوقت الذي نمضيه في مشاهدة فيلم سينمائي. لا يوجد سفر يتطلب أكثر من 4-5 ساعات ليقرأ بشكل كامل. بالنسبة للبعض، سيستغرق الأمر وقتا طويلا جدا لإنهاء قراءة سفر في جلسة واحدة، لذلك إذا قمنا بأخذ فترة للراحة، وعاودنا القراءة مرة أخرى، دعونا نحاول التقاط انسياب أفكار الكاتب مرة أخرى.

4-4

في مدرسة الـ on-line SBS، سنبدأ دراستنا لكل سفر بقراءة السفر كله من بدايته لنهايته، متجاهلين تقسيمة الأصحاحات والآيات. وسنطلب منك أيضا أن تقرأ كل سفر بصوت مسموع. لأن أسفار الكتاب المقدس كتبت لمجموعة كبيرة من الناس تتضمن عدد من غير المتعلمين وغير القادرين على القراءة، ولذلك كتب بنية أن يقرأ بصوت مسموع. القراءة بصوت مسموع تضيف لك فائدة أخرى وهي أنك لن ترى النص فقط بل ستسمعه أيضا. لقد استفاد الكثير من الطلبة في الماضي من الاستماع للكتاب المقدس على شكل ملفات mp3 أو خلال وسائط سمعية أخرى. 

والآن، هل فهمت من كلامي أن على سبيل المثال قراءة أصحاح من منتصف رسالة رومية أو آيات من منتصف رسالة فيلبي هو أمر خاطيء؟ أظن أن الإجابة تتوقف على كيف نقوم بهذا، إذا استطعنا أن نفهم كيف ينسجم هذا الأصحاح مع انسياب أفكار الكاتب، أو أذا كنا على دراية بسياق الآية التي نقرأها، نكون في أمان ونحن نقرأ هذا الجزء أو هذه الآيات، لكن إذا قمنا باقتلاع الآية أو الأصحاح خارج سياقها وانسياب أفكار الكاتب، نكون في خطر القيام بنفس ما قام به مجموعة الأشخاص الذين تكلم عنهم بطرس في رسالته الثانية أصحاح 3 والتي تحدثنا عنها في بداية هذا الدرس.

البركة التي لدينا خلال دراستنا في مدرسة الكتاب المقدس هذه، هو أنه سيكون لدينا امتياز قراءة كل أصحاح وكل آية من آيات الكتاب المقدس داخل السياق الخاص بها، وهذا سيصبح الأساس المتين الذي ستؤسس عليه استخداماتك المستقبلية للكتاب المقدس. ستستطيع أن تميز الأصحاحات التي تعد "أصحاحات منفصلة" والآيات التي يظل معناها واحد سواء داخل سياقها في النص أو خارجه. وهذا سيكون داعم قوي لك في خدمتك في المستقبل وأنت تطلب أن تكون "مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَةِ." 2تيموثاوس 2: 15.

ملحوظة أخيرة في هذا الدرس قبل أن ننتقل لدرس آخر.

4-5

كثيرا ما أسأل عندما أتكلم عن هذه الأمور، عن تلك الأوقات التي يعطينا الله بروحه آية أو اثنين من الكتاب المقدس ونشعر أن هذه الكلمات موجهة لنا بشكل شخصي. عندما تحصل على تعزية أو إرشاد من جزء كتابي صغير، قد تكون إما على علم بالسياق الوارد به هذا الجزء وأنه داخل السياق يحمل معنى مختلف للمعنى الذي تشعر أن الله يقوله لك أو جاهلا به. لا أريد أبدا أن أمنع أحدا من استقبال هذه الخبرة الروحية الرائعة، والتي قمت باختبارها عدة مرات في حياتي مع الله. وأحب أن أسمي هذه الخبرة الروحية "الاستخدام النبوي" للكلمة المقدسة، وأؤمن أنه يجب علينا التعامل مع هذه الخبرة مثلما نتعامل مع أي كلمة نبوية أخرى نستقبلها. فهي كلمة شخصية، وليست بالضرورة مفيدة ومناسبة للجميع، ويجب أن يتم اختبارها بالتعليم الموضوعي للكتاب المقدس.

آخر تعديل: الجمعـة، 1 تشرين الثاني 2013، 2:40